العيني
78
عمدة القاري
، وقال ابن بطال : أجمع العلماء أنه يجوز للآباء تزويج الصغار من بناتهم وإن كن في المهد ، إلاَّ أنه لا يجوز لأزواجهن البناء بهن إلاَّ إذا صلحن للوطء واحتملن الرجال ، وأحوالهن في ذلك مختلف في قدر خلقهن وطاقتهن ، واختلف العلماء في تزويج غير الآباء اليتيمة ، فقال ابن أبي ليلى ومالك والليث والثوري والشافعي وابن الماجشون وأبو ثور : ليس لغير الأب أن يزوج اليتيمة الصغيرة ، فإن فعل فالنكاح باطل ، وحكى ابن المنذر عن مالك أنه قال يزوج القاضي الصغيرة دون الأولياء ووصي الأب والجد عند الشافعي عند عدم الأب كلأب ، وقالت طائفة : إذا زوج الصغيرة غير الأب من الأولياء فلها الخيار إذا بلغت ، يروي هذا عن عطاء والحسن وطاووس . وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة ومحمد ، إلاَّ أنهما جعلا الجد كالأب لا خيار في تزويجه . وقال أبو يوسف : لا خيار لها في جميع الأولياء . وقال أحمد : لا أرى للولي ولا للقاضي أن يزوج اليتيمة حتى تبلغ تسع سنين ، فإذا بلغت ورضيت فلا خيار لها . 21 ( ( بابٌ إلى مَنْ يَنكِحُ ؟ وأيُّ النِّساءُ خَيْرٌ ؟ وما يُتَحَبُّ أنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطْفِهِ مِنْ غَيْرِ إيجابٍ ) ) أي : هذا باب في بيان من إذا أراد أن يتزوج ينتهي أمره إلى من يتزوج من النساء ، أو إلى من يعقد ، وقد ذكرنا أن النكاح يأتي بمعنى التزويج وبمعنى العقد ، وقد اشتملت هذه الترجمة بن علي ثلاثة أنواع ، وحديث الباب واحد . الأول : قوله : ( إلى من ينكح ) والثاني : قوله : ( وأي النساء خير ) والثالث : وما يستحب أن يتخير لنطفه . ومن الحديث تؤخذ المطابقة للأول والثاني ظاهرا أو الثالث لا تؤخذ إلاَّ بطريق اللزوم ، بيانه أن الذي يريد النكاح ينبغي أن يتزوج من قريش لأن نساءهن خير النساء ، وهذا نوعان ظاهر إن في المطابقة ، وأما النوع الثالث فهو أنه لما ثبت أن نساء قريش خير النساء ، وأن الذي تزوج منهن قد تخير لنطفه لأجل أولاده ، وهذا لا يفهم من الحديث صريحا ، ولكن بطريق اللزوم ، بن علي أنا نقول : يحتمل أنه أشار إلى حديث أخرجه ابن ماجة من حديث عائشة مرفوعا : تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء ، وأخرجه الحاكم أيضا وصححه . فإن قلت : كيف يكون نساء قريش أفضل من مريم أم عيسى ، عليهما السلام ، ولا سيما بن علي قول من يقول : إنها نبيه ؟ قلت : أجاب بعضهم بأن في الحديث : خير نساء ركبن الإبل ، ومريم ، عليها السلام ، ولم تركب بعيررا . قلت : هذا جواب لا يجدى . وقد أطنب هذا القائل هنا وكله غير كاف ، ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه صلى الله عليه وسلم قيد بقوله : صالحو نساء قريش ، ومريم عليها السلام ، ليست من قريش ، وقال النووي : معنى خير أي : من خير ، كما يقال : أحسنهم كذا ، أي : من أحسنهم أي : أحسن من هنالك ، وقد يقال : إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم : خير نساء ركبن الإبل صالحو نساء قريش ، يعني في زمانهن . قوله : ( من غير إيجاب ) أراد به أن الذي ذكره في هذه الترجمة من الأنواع الثلاثة ليس من باب الإيجاب ، بل هو من باب الاستحباب . 2805 حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبَرنا شُعَيْبٌ حدثنا أبو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ ، رضي الله عنه ، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، قال : خيْرُ نِسَاءَ رَكِبْنَ الإبِلَ صَالِحُو نِساءِ قُرَيْشٍ : أحْناهُ علَى ولَدٍ في صِغَرِهِ ، وأرْعاهُ علَى زَوْجٍ في ذَاتِ يَدِه . ( انظر الحديث 4343 وطرفه ) . قد مر بيان وجه المطابقة الآن ، وهذا الإسناد بعين هؤلاء الرواة قد مر غير مرة . وأبو اليمان الحكم بن نافع وشعيب بن أبي حمزة ، وأبو الزناد ، بالزاي والنون : عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . والحديث مر في أحاديث الأنبياء في باب قوله تعالى : * ( إذ قالت الملائكة يا مريم ) * ( آل عمران : 24 و 54 ) بأتم منه ، ومر الكلام فيه هناك . قوله : ( صالحو ) أصله : صالحون ، سقطت النون للإضافة ويروى : صالح نساء قريش ، بالإفراد ، ويروى : صلح نساء قريش ، بضم الصاد وتشديد اللام ، جمع : صالح ، وهو رواية الكشميهني والمراد بالإصلاح هنا صلاح الدين وصلاح المخالطة للزوج وغيره . قوله : ( أحناه ) من الحنو وهو الشفقة ، والحانية هي التي تقوم بن علي ولدها بعد يتمه فلا تتزوج ، فإن تزوجت فليست بحانية ، وكان القياس أن يقال : أحناهن ، وأن يقال : صالحة نساء قريش ، ولكن ذكره باعتبار لفظ الخبر أو باعتبار الشخص أو هو من باب ذي كذا ، وأما الإفراد فهو بالنظر